الشيخ محمد علي طه الدرة

40

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 30 ] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 30 ) الشرح : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا : قال الخازن : لما ذكر اللّه المؤمنين نعمه عليهم ؛ أي : في الآية رقم [ 26 ] ذكر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم نعمه عليه فيما جرى له بمكة من قومه ؛ لأن هذه السورة مدنية ، وهذه الواقعة كانت بمكة قبل الهجرة ، والمعنى : واذكر يا محمد إذ يمكر بك الذين كفروا . انتهى . لِيُثْبِتُوكَ : بالوثاق ، أو بالحبس ، أو الإثخان بالجرح ، من قولهم : ضربه حتى أثبته لا حراك به ، ولا براح ، وقرئ الفعل بتشديد الباء ، وقرئ : ( وليبيتوك ) من البيات ، و ( ليقيدوك ) . أَوْ يَقْتُلُوكَ : بسيوفهم . أَوْ يُخْرِجُوكَ : من مكة ، وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ، ومتابعتهم للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فزعوا ، واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره ، فدخل عليهم إبليس في صورة رجل هرم ، وقال : أنا شيخ من نجد ، سمعت بالذي اجتمعتم له ، فأردت أن أحضركم ، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا ، فأذنوا له بالدخول . فقال أبو البختري : أرى أن تحبسوه في بيت ، وتسدوا منافذه ، غير كوة ، تلقون إليه طعامه وشرابه منها حتى يموت ، فقال الشيخ : بئس الرأي هذا ، يأتيكم من يقاتلكم من قومه ، ويخلصه من أيديكم ، فقال هشام بن عمرو : أرى أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم ، فلا يضركم ما صنع ، فقال إبليس : بئس الرأي ؛ يفسد قوما غيركم ، ويقاتلكم بهم ، فقال أبو جهل : أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما جلدا ، وتعطوه سيفا صارما ، فيضربوه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم ، فإذا طلبوا العقل ؛ عقلناه ، أي : أدينا ديته ، فقال إبليس الخبيث ، هذا هو الرأي السديد ، والقول الحميد ! وتفرقوا على ذلك ، فأخبر جبريل عليه السّلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ، وأمره بالهجرة ، فبيت ابن عمه عليا رضي اللّه عنه في فراشه ، ودعا اللّه أن يعمي عليهم أمره ، فطمس اللّه على أبصارهم ، فخرج من بين صفوفهم ، ووضع التراب على رؤوسهم ، وهو يقرأ قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ . . إلى قوله : فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ من سورة ( يس ) . فلما أصبحوا ؛ خرج عليهم علي كرم اللّه وجهه ، فعلموا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد فات ونجا ، وخرج مع أبي بكر - رضي اللّه عنه - وتوجها إلى غار ثور . وَيَمْكُرُونَ : المكر : تدبير الأمر في خفية ، وهو أيضا : احتيال وخداع . وَيَمْكُرُ اللَّهُ : يردّ اللّه مكرهم ، ويجازيهم عليه ، هذا ؛ واللّه منزه عن المكر بالمعنى المذكور ، واستعمال العقاب والجزاء بلفظ المكر إنما هو من باب المشاكلة وقد مر معنا كثير من هذا ، انظر الآية رقم [ 142 ] من سورة ( النساء ) . وانظر خَيْرُ في الآية رقم [ 12 ] الأعراف ومعنى خَيْرُ الْماكِرِينَ : أقواهم ؛ لأنه سينتقم منهم ، وفيه تنبيه على أن